الاثنين، 19 سبتمبر 2016

لا تضحّي بمستقبل ابنك!




يقول ونستن تشرشل: ليس كافياً أن نعمل أفضل ما عندنا، أحياناً نحتاج أن نعمل ما هو مطلوب منا. ربما نحن كأولياء أمور طموحين جداً، نضع أهدافاً أعلى من مستوى أبنائنا في كثير من الأوقات، وندفعهم لتحقيقها وإن لم تلائم قدراتهم.

من المحزن أن نجد طلبة متعثرين دراسياً في مدارسنا، أعادوا المرحلة الدراسية مرة أو أكثر، ليس بسبب الإهمال أو التقصير، بل لوجود مشكلة غفلنا عنها كأولياء أمور أو تغافلناها خشية من نظرة الآخرين والإحراج الذي يسببه تصنيف أبنائنا ضمن فئة ذوي الاحتياجات الخاصة، ممن هم بحاجة إلى تدخل تربوي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه،

ابنتي جود في هذه الصورة هي من فئة الطلبة ذوي الاحتياجات الخاصة، والدها وأنا فخورين بها جداً، وأكتب لكم اليوم عنها وهي في الصف الرابع الابتدائي. ولدت جود ولادة مبكرة، عانت بعدها كثيراً إلى أن من الله عليها بالصحة، تأخرت كالمعتاد في المشي والكلام بمدة زمنية معقولة، ولذلك بعد أن بلغت عمر 4 سنوات كانت جود تبدو طبيعية جداً، نشاطها الاجتماعي ممتاز إلا أنها كانت خجولة.

بعد دخول جود إلى مرحلة رياض الأطفال لاحظنا أنها لا تستطيع حل بعض الواجبات، وأنها  ومع كثرة الإعادة في الشرح والحفظ لا تزال تنسى ما تتعلمه، وكحال أي ولي أمر كان من الممكن أن نعزو السبب إلى كونها تحب اللعب مع إخوتها فيشتت تركيزها وتفشل في استذكار المعلومات، وبالفعل توقعنا ذلك في بداية الأمر، ولكن عندما أنهت جود مرحلة الرياض اتضح لنا أنها بالفعل غير قادرة على مواكبة ما يتعلمه أقرانها في الصف.

أردنا أنا وولدها أن نمد لها أيدينا لتنهض، فكلّ شخص في هذه الحياة يتعثر عاجلاً أم آجلاً في مرحلة من عمره، لكن الأهم أن يجد أشخاصاً بجانبه مستعدين لمساعدته. كل ما قمنا به وقتها أننا قرأنا حول حالتها، وبحثنا عن المراكز التي تقوم باختبارات القدرات لعمرها، وأول ما ووجهنا به هو استغراب البعض من اعترافنا بوجود المشكلة ومحاولتنا البحث عنها سعياً لحلها، ولسان حال من يتحدث معنا هو أن أغلبية أولياء الأمور ينكرون المشكلة من الأساس ثم يدفعون أبناءهم دفعاً إلى النجاح والتميز في صفوف الطلبة العاديين، وليت هذه الغالبية تعلم أن هذا لا يجدي، وليت هذه الطريقة تفشل فحسب، بل تكون سبباً في فشل الطفل اجتماعياً وعاطفياً.

لم يأت الاستنكار من الناس من حولنا فقط، بل استنكر بعض المسؤولين في الجهات الرسمية إصرارنا على عمل اختبار لقياس قدراتها، معللين أن هذه الخطوة من جانبنا مستعجلة ومبكرة جداً، وأن المفترض أن تصل جود إلى الصف الثالث الابتدائي لكي يكون اختبارها ذو معنى، لكنني أعترف أننا عاندنا الجميع لأننا أردنا لجود أن تكون في مكان يناسبها هي ولا يناسبنا نحن، كما يفكر معظم أولياء الأمور. بعدها تم عمل اللازم، وكانت النتيجة أنها بحاجة فعلاً إلى الالتحاق بمدرسة تهتم بحالتها، وأن يتم تعليمها بالطريقة التي تلائم قدراتها واستيعابها، وهذا ما بدأنا بعمله منذ ذلك اليوم، أي من الصف الأول الابتدائي!

اليوم، يمكنني أن أقول لكم أن جود تخطت كثيراً من الصعوبات الدراسية التي كانت تواجهها، وهي تتعلم بالطريقة التي تفضلها، وتُصقل شخصيتها وتنمو في جو دراسي صحي، والأهم أننا نجحنا في الحفاظ على نفسيتها التي كانت من الممكن أن تتأثر سلباً جراء التحاقها بصفوف الطلبة العاديين الذين يفوقونها في قدراتهم وتحصيلهم لأنهم يتلقون التعليم بطريقة يفضلونها، ولكم أن تتخيلوا أن تبقى جود تعاني من عدم الفهم والشعور بالضعف والتأخر لمدة ثلاث سنوات في كل يوم تدخل فيه المدرسة لأنها تقارن نفسها بآخرين يختلفون عنها تماماً، وبالتالي تكون معرضة للانتقاد واللوم أو للسخرية، وقد كان باعتقادنا أن ذلك القرار هو أفضل ما يمكن أن نقدمه لها كوالدين؛ أن نجعلها تفعل ما هو مطلوب منها، بأفضل ما تستطيع هي فعله.

رسالة لكل ولي أمر من وليّة أمر مرت بهذه التجربة، وكمعلمة أيضاً واجهت حالات مشابهة نصيحتي من القلب أن لا تترك ابنك يعاني كل يوم إذا شعرت أنه مختلف عن أقرانه، لا تطلب منه ما لا يستطيع أن يقوم به، لا تتجاهل تقاريره الضعيفة في المدرسة مهما بلغ من العمر، لا تتجاهل ملاحظات الأخصائي الاجتماعي عند توجيهك لقياس قدراته، فهناك خيارات تعليمية كثيرة ملائمة له بالتأكيد. اعترف بوجود المشكلة، استشر وابحث عن الحل، هناك دائماً حلول تناسبنا، الأهم أن لا تقبل أن تضحي بأي حال من الأحوال بمستقبل ابنك ولا بنفسيّته من أجل نظرة الآخرين لكم!.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق