الأحد، 6 نوفمبر 2016

منهج الكفايات .. ما هو؟ وهل سينجح؟


كان من المتوقع أن يتساءل الناس مع بداية العام الدراسي عن معنى المنهج الوطني الجديد المسمى "منهج الكفايات" باعتبار غالبية المجتمع ليسوا معلمين، لكن المفاجأة أن تجد المعلم وإدارته من بين السائلين، وهم الذين تقع على عاتقهم مسؤولية تنفيذه وتحقيق أهدافه. فما هو منهج الكفايات؟ وما هو الخلل؟

على عكس المنهج التقليدي للمدارس الحكومية في السنوات الماضية، منهج الكفاياتCompetency-based curriculum يعني طرقة في التعليم تضمن تمكّن كل طالب من المعرفة والمهارة المقررة (الكفاية) وبغض النظر عن الوقت المستغرق في ذلك، وفق أعلى مستوى ممكن لمهارات التفكير. مثلاً قد يمضي طالب ساعتين دراسيتين في التمكن من مسألة رياضية (حلاً وشرحاً وتطبيقاً في مختلف مجالات الحياة) ويمضي غيره في نفس المرحلة نصف هذا الوقت، وكلاهما ينجحان ويتفوقان وينتقلان إلى المرحلة الدراسية القادمة.

العلم يقول لنا لا يوجد شخص غير قادر على التعلم كباقي أقرانه، لذلك لا تهمنا المفاضلة بين الطلبة في كيف أو متى يتقنوا دروسهم، على ذلك فمن غير العدل تعليم جميع الطلبة المتفاوتين تحت نفس الظروف، بأسلوب واحد وفي وقت زمني واحد وبطريقة تقييم موحدة كما هو معمول به في النظم التعليمية التقليدية، حيث يُتوقع من جميع الطلبة وبغض النظر عن قدراتهم المختلفة أن يهضموا المنهج ويحققوا مستوى واحد من الفهم خلال فترة محددة ليتم تحديد مصيرهم كل عام بنتيجة أدائهم على الاختبارات النهائية.

لقد جاء منهج الكفايات ليتميز بثلاثة ملامح أساسية؛ الأولى أنه يتمركز حول المتعلم فتُعطى مساحة من الحرية لكل معلم لاختيار ما يناسب طلابه داخل الفصل من طرق وأساليب تعليمية دون تدخل من أي جهة خارجية، وهذا يعني أن تتعدد طرق التعليم في المرحلة الدراسية الواحدة بين كل مدرسة ومدرسة، بل بين كل صف وصف، والثانية أنه يقوم على المخرجات ويعني أن يُعطى المعلم مساحة كبيرة من الحرية لتحديد الطريقة والوقت اللذان يقيّم فيهما الطالب، وعليه فله فترة العام الدراسي كاملاً لإيصال كل طالب إلى مستوى التمكن من الكفايات (المعارف والمهارات لكل مرحلة دراسية)، والثالثة أن منهج الكفايات يقوم على التمايز وهو أن يوفرّ المعلم أنشطة تعليمية وواجبات ومشاريع تناسب مستوى كل طالب على حدة يكفل به تطوّره على حسب مستواه، وبهذا يضمن تمكّن الجميع مع نهاية العام الدراسي.

تلك الملامح الثلاثة الرئيسية تستوجب وساطة معلم ذو كفاءة عالية كشرط أساسي أول لنجاح المنهج الوطني الجديد، وعلى أقل تقدير إطلاع المعلم بشكل كاف وواف على ماهية منهج الكفايات وكيفية تطبيقه في الميدان، وكذلك تستوجب مواءمة الاختبارات النهائية مع تطلعات وأهداف المنهج الحديث كشرط أساسي ثاني، إلا أن وزارة التربية وقعت في خطأين: الأول هو سوء التخطيط لعملية تدريب المعلمين فيما يختص بالمنهج، حيث أقامت دورات سريعة لمحاضرين غير متمكنين من التدريب فاشتكى من سطحيتها وعدم كفايتها غالبية الحضور، والثاني هو إغفال تعديل آلية تقييم الأداء ومنها الاختبارات النهائية التقليدية والتي مازالت تقيس أدنى مستويات التفكير، مما يعني عدم ملاءمتها لأهم أسس منهج الكفايات.

بالنظر للسيناريو الذي أقر فيه الملف الإنجازي سابقاً، يمكننا التنبؤ بفشل المنهج الوطني الجديد إذا ما استمرت الوزارة على الإصرار على نفس الخطأ، فالنجاح حليف من يحسن التخطيط، وفي ميدان التعليم إذا أريد لأي مشروع أن يؤتي ثماره فمن الضروري أن يؤمن به المعلم ويقتنع بفعاليته وتُسخر له جميع العوامل المساعدة، ألم يئن للوزارة أن تعيد النظر في السبب الذي يجعل تغييراتها التعليمية المستمرة والمفاجئة غير مقبولة؟ أما آن لها أن تتجه لإقناع أهل الميدان والمجتمع بهذه التغييرات قبل إقرارها حتى يكون الجميع شريكاً في إنجاح خططها؟!.

-------------------------------------------------------------------
نشر هذا المقال السبت 5/11/2016 في:

الاثنين، 19 سبتمبر 2016

لا تضحّي بمستقبل ابنك!




يقول ونستن تشرشل: ليس كافياً أن نعمل أفضل ما عندنا، أحياناً نحتاج أن نعمل ما هو مطلوب منا. ربما نحن كأولياء أمور طموحين جداً، نضع أهدافاً أعلى من مستوى أبنائنا في كثير من الأوقات، وندفعهم لتحقيقها وإن لم تلائم قدراتهم.

من المحزن أن نجد طلبة متعثرين دراسياً في مدارسنا، أعادوا المرحلة الدراسية مرة أو أكثر، ليس بسبب الإهمال أو التقصير، بل لوجود مشكلة غفلنا عنها كأولياء أمور أو تغافلناها خشية من نظرة الآخرين والإحراج الذي يسببه تصنيف أبنائنا ضمن فئة ذوي الاحتياجات الخاصة، ممن هم بحاجة إلى تدخل تربوي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه،

ابنتي جود في هذه الصورة هي من فئة الطلبة ذوي الاحتياجات الخاصة، والدها وأنا فخورين بها جداً، وأكتب لكم اليوم عنها وهي في الصف الرابع الابتدائي. ولدت جود ولادة مبكرة، عانت بعدها كثيراً إلى أن من الله عليها بالصحة، تأخرت كالمعتاد في المشي والكلام بمدة زمنية معقولة، ولذلك بعد أن بلغت عمر 4 سنوات كانت جود تبدو طبيعية جداً، نشاطها الاجتماعي ممتاز إلا أنها كانت خجولة.

بعد دخول جود إلى مرحلة رياض الأطفال لاحظنا أنها لا تستطيع حل بعض الواجبات، وأنها  ومع كثرة الإعادة في الشرح والحفظ لا تزال تنسى ما تتعلمه، وكحال أي ولي أمر كان من الممكن أن نعزو السبب إلى كونها تحب اللعب مع إخوتها فيشتت تركيزها وتفشل في استذكار المعلومات، وبالفعل توقعنا ذلك في بداية الأمر، ولكن عندما أنهت جود مرحلة الرياض اتضح لنا أنها بالفعل غير قادرة على مواكبة ما يتعلمه أقرانها في الصف.

أردنا أنا وولدها أن نمد لها أيدينا لتنهض، فكلّ شخص في هذه الحياة يتعثر عاجلاً أم آجلاً في مرحلة من عمره، لكن الأهم أن يجد أشخاصاً بجانبه مستعدين لمساعدته. كل ما قمنا به وقتها أننا قرأنا حول حالتها، وبحثنا عن المراكز التي تقوم باختبارات القدرات لعمرها، وأول ما ووجهنا به هو استغراب البعض من اعترافنا بوجود المشكلة ومحاولتنا البحث عنها سعياً لحلها، ولسان حال من يتحدث معنا هو أن أغلبية أولياء الأمور ينكرون المشكلة من الأساس ثم يدفعون أبناءهم دفعاً إلى النجاح والتميز في صفوف الطلبة العاديين، وليت هذه الغالبية تعلم أن هذا لا يجدي، وليت هذه الطريقة تفشل فحسب، بل تكون سبباً في فشل الطفل اجتماعياً وعاطفياً.

لم يأت الاستنكار من الناس من حولنا فقط، بل استنكر بعض المسؤولين في الجهات الرسمية إصرارنا على عمل اختبار لقياس قدراتها، معللين أن هذه الخطوة من جانبنا مستعجلة ومبكرة جداً، وأن المفترض أن تصل جود إلى الصف الثالث الابتدائي لكي يكون اختبارها ذو معنى، لكنني أعترف أننا عاندنا الجميع لأننا أردنا لجود أن تكون في مكان يناسبها هي ولا يناسبنا نحن، كما يفكر معظم أولياء الأمور. بعدها تم عمل اللازم، وكانت النتيجة أنها بحاجة فعلاً إلى الالتحاق بمدرسة تهتم بحالتها، وأن يتم تعليمها بالطريقة التي تلائم قدراتها واستيعابها، وهذا ما بدأنا بعمله منذ ذلك اليوم، أي من الصف الأول الابتدائي!

اليوم، يمكنني أن أقول لكم أن جود تخطت كثيراً من الصعوبات الدراسية التي كانت تواجهها، وهي تتعلم بالطريقة التي تفضلها، وتُصقل شخصيتها وتنمو في جو دراسي صحي، والأهم أننا نجحنا في الحفاظ على نفسيتها التي كانت من الممكن أن تتأثر سلباً جراء التحاقها بصفوف الطلبة العاديين الذين يفوقونها في قدراتهم وتحصيلهم لأنهم يتلقون التعليم بطريقة يفضلونها، ولكم أن تتخيلوا أن تبقى جود تعاني من عدم الفهم والشعور بالضعف والتأخر لمدة ثلاث سنوات في كل يوم تدخل فيه المدرسة لأنها تقارن نفسها بآخرين يختلفون عنها تماماً، وبالتالي تكون معرضة للانتقاد واللوم أو للسخرية، وقد كان باعتقادنا أن ذلك القرار هو أفضل ما يمكن أن نقدمه لها كوالدين؛ أن نجعلها تفعل ما هو مطلوب منها، بأفضل ما تستطيع هي فعله.

رسالة لكل ولي أمر من وليّة أمر مرت بهذه التجربة، وكمعلمة أيضاً واجهت حالات مشابهة نصيحتي من القلب أن لا تترك ابنك يعاني كل يوم إذا شعرت أنه مختلف عن أقرانه، لا تطلب منه ما لا يستطيع أن يقوم به، لا تتجاهل تقاريره الضعيفة في المدرسة مهما بلغ من العمر، لا تتجاهل ملاحظات الأخصائي الاجتماعي عند توجيهك لقياس قدراته، فهناك خيارات تعليمية كثيرة ملائمة له بالتأكيد. اعترف بوجود المشكلة، استشر وابحث عن الحل، هناك دائماً حلول تناسبنا، الأهم أن لا تقبل أن تضحي بأي حال من الأحوال بمستقبل ابنك ولا بنفسيّته من أجل نظرة الآخرين لكم!.

السبت، 4 يونيو 2016

الغش الحلال!

    وقفت في حصة دراسية للحديث عن الغش في الاختبارات، وكعادتي بتخصيص جزء من الحصة لمناقشة إحدى الظواهر المتفشية بين الشابات، أخبرتهن أن التغشيش ليس مساعدة على النجاح بقدر ما هو ترويض على الاتكالية واللامسؤولية، ففاجأتني طالبة: "لكن معلمة التربية الإسلامية تقول إن الغش ليس حراماً!" فأجبت: "نحن لا نمنع الغش لكي ندخلكم الجنة! نحن نمنعه لأنه يضر بكم وبأخلاقكم وبمستواكم التعليمي"، ورغم أنني مقتنعة تماماً أن الدين هو المساحة الأولى التي نتعلم منها الأخلاق، وبالتالي من المستحيل أن يكون الدين مشجعاً على السرقة العلمية، فإنني غضضت الطرف عن الدخول في نقاش ديني وقتها.
    تنشط كالعادة قيادات وزارة التربية بالتصريح حول الغش مع حلول اختبارات منتصف العام ونهايته، وهذا بحد ذاته يعبّر عن حجم الظاهرة، وهذا العام يحل علينا تصريح وزير التربية د. بدر العيسى (بجريدة القبس 22 مايو الماضي) بأن "الغش ينشط أكثر في مراكز تعليم الكبار من الذكور، ولديهم الكثير من وسائل الغش المتطورة"... هذه العبارة تخفي أكثر مما تصرّح فيما يخص ظاهرة الغش، ففي حين أعلن تفشي الغش في مراكز تعليم الكبار، أوهَم المواطنين، في الوقت ذاته، بأن المشكلة هناك، وكأن مدارسنا عموماً ليست فيها مثل هذه الممارسات وبكثافة تزكم الأنوف.
   نعم، مؤلم جداً أن نقول إن مدارسنا تشجع على الغش، لكن من ينكر ذلك إما أعمى أو متواطئ، أقولها بملء الفم، بل وأستكمل تصريح وزير التربية بأن هناك مدارس حكومية وخاصة كثيرة تضج قاعات اختباراتها بوسائل الغش، كما أن هناك معلمين كثيرين مسؤولين، بشكل مباشر وغير مباشر، عن عمليات الغش، إما بالسماح والتغاضي عن محاولات الطلبة، أو بإعطاء وتوزيع إجابات الاختبار داخل اللجان، ومن خلال تجربتي كمعلمة في المرحلة الثانوية، واحتكاكي الجيد بالمعلمات والإداريات والطالبات رأيت وسمعت ذلك، بل أرى أن الغش هو الوسيلة الرائدة التي يعتمدها كثير من الطلبة في اجتياز المراحل الدراسية، ومن يستطيع أن ينكر ذلك؟! ولا أملك إلا أن أقول إن الغش ظاهرة متفشية بين المسؤول ورعيته، وهذه أخطر مرحلة يمكن أن يصل إليها التعليم في الكويت.
   الغش يعني اللا أمانة، أن يغش الطالب يعني أنه يفهم تماماً أن السرقة العلمية وعدم الأمانة سبيله للنجاح في الحياة، وأن يسمح المعلم لطلبته بالغش يعني أنه يعلّمهم أن الدولة تكفل لهم الارتقاء بطرق غير مشروعة، والطامة أن يتعاون المعلم مع طلبته على التغشيش، وهذا يعني للطالب اشتراكنا جميعاً في فقدان الأمانة، لا فرق بين معلم وطالب، وكل الخوف أن يتحول الغش في يوم من الأيام إلى فضيلة نبارك من يمارسها وتصرف ذكي نحمد من يعمل به.
   "وسائل الغش تطورت جداً" كما يقول وزير التربية، فماذا كنا نتوقع؟ النتيجة الطبيعية لمحاولاتنا غير الجادة لوقف الغش أدت إلى ذلك بلا أدنى شك، ومن الطبيعي كذلك أن تتطور طرقه في بيئة "تحلّله" شرعاً، ومن المتوقع سعي كثير من المعلمين لتغشيش الطلبة تحت عنوان "التعاون على البرّ والتقوى"! كل ذلك غير مستغرب، لأن الطالب والمعلم على حد سواء ليس لديهما القناعة بعدم جدوى الغش فضلاً عن كونه جريمة أخلاقية. أخشى أن يعود كل ذلك إلى التفريط في التعامل مع المشكلة في مقاعدها الأولى في المدرسة! فهل قيادات وزارة التربية ترى الغش مثلما نراه خلقاً ذميماً يضر بالبلد قبل أن يكون سلوكاً ممنوعاً في المدرسة؟ وهل هم على استعداد أن يتناولوه بشيء من الجدية، فيعترفوا باستشرائه ويسعوا إلى إيجاد حلول علمية مدروسة؟ وهل معشر المعلمين مستعدون لتغيير مجرى الحدث بإنهاض ذواتهم أولاً وثم تغيير الواقع؟!

رابط المقال في جريدة الجريدة الكويتيةالغش الحلال!